بحث هذه المدونة

الخميس، 8 نوفمبر 2012

صدأ المرَايا


تم حبسه بغرفته التى يشاركها أخيه ،وكانت غرفة رثة وغاب عنها الكثير لضيق الحال وانحناءة الجدران وكأنها تبلغ أرذل العمر وفى خواتيمها إنما هو مجرد وصف لمعاناتهم وصراعهم فى الحياة من أجل العيش وكأنهم يصارعون جيشاً لا يرونه يتخذ من كل الصور فى كل مرايا عالمهم عدواً ونداً لهم كما كان يظهر الحال فى غرفتهم الرثة التى انضمت لجيش مصارعيهم .

فمن شدة رتابة الغرفة كانت المرآة الوحيدة فى غرفته بها بعض البقع السوداء والتى انتشرت وتوغلت فى جسد  المرآة حتى كادت أن تطليها جميعها سواداً .
وطالت عليه المدة وظل حبيساً لغرفته يصارع جدرانها ويحاول أن يغزوا كل جدار بعينه ليمد أفقاً جديداً لنفسه يرى من خلاله حريته ونجح فعلاً فى محاولات عديدة لاختراق الجدران جميعها بخياله إلا تلك المرآة ذات البقع ، حاول صب أفكاره بغزارة على التغيير المرغوب فى المرآة ويفشل فى كل محاولة إلى أن رأى أن الاقتراب منها هو الحل ورفض صورتها وأفقها المفروض عليه والذى يصطدم بالجدار نهايةً ويعجز عن اختراق صورة الجدار بخياله بينما الجدار أمامه مفتوح وفى محاولته الأخيرة انتبه لكم البقع السوداء فى تلك المرآة لدرجة ظنّ معها – من كثر التدقيق – أن البقع فى وجهه لا المرآة وحسم قراره بأن يرفض تلك المرآة ويرفض أن تكون رؤيته لنفسه بذات البقع وقرر وضع رؤيته الخاصة بنفسه ولنفسه وظن أن الدنيا ستكون أفضل وأحسن.



ظل يخطط ويدبر ويتحمل ويعاود التمسك بالأمل بأن وجهه خالى من البقع ، فتارة يتحسس وجهه وتارةً أخرى يتحسس مرآته واستلهم كل حروفه التى قرأها فى فن تغيير المرايا وكيف أنهم فى بلادٍ - ليست ببعيدة عن بلاده - لا تخرب المرايا لأنها أجود ومصنوعة ليتم استهلاكها لمدة زمنية محددة ومن تلقاء نفسه يأتى عامل الزجاج يستبدلها بغيرها جديدة كالتى يرغب فيها تماماً ، فاض به واستجمع قواه وعزم الأمر وألهمه الله فكسّر المرآة الوحيدة فى الغرفة وأراد استبدالها وللوهلة الأولى وفى أول نظرة فى المرآة ظن أن التغيير قد حدث دون أن يعاود التدقيق من جديد وظن أن الصورة صارت أوضح وأفضل حالاً ولكنه لم يعبأ بتجربتها فقد خارت قواه وقرر النوم وأن ينتظر الأفق المنشود ليوم جديد بعد أن أنهكه الصراع مع عامل الزجاج الغريب والذى لا مثيل له إلا فى بلاد "الواق واق" التى يغير فيها الزجاج عمال صارمون ومراياهم صدئة بالأساس ولكنها جديدة على الأقل وسوف تحسن الصورة وحينها قد يتغير الأفق الذى أراد رسمه لعينه .

وباتوا ليلتهم الأولى فى وجود صورة جديدة ومرآة أنيقة تعكس صورتهم الطبيعية ونهض (أخيه) مبكراً كعادته ،وقبل أن يهمّ بالخروج أحس بشيء غريب فى صورته وهو يهندم ملابسه فدقق النظر فى وجهه وحاول تقريب وجهه من المرآة أكثر فأكثر محاولاً تفادى بقع المرآة - الغير موجودة - وكأنها مطبوعة على وجهه قبل أن يلتفت إلى إطار المرآة الجديد ليعلم يقيناً بأن المرآة تم تغييرها دون إزالة البقع من ذاكرته ووجهه وذات الدرب الذى اتخذته عينه فى نظرتها للإطار رمقت عيناه لأول مرة سطح المرآة الجديدة دون أن يعاود النظر بوجهه ليرى بشكل أفضل ما اعتاد أن يراه بشكل مختلف.
أسْقِطْها كما تشاء وقل لى هل تحسنت الصورة فى المرآة !! وهل يستيقظ صاحبنا الغارق فى ثباته قبل أن تصدأ المرآة من جديد !!

لقد اعتدنا البقع فى " ذات المرآة " وطالت البقع ذات وجوهنا .



Comments
2 Comments

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

الضمير هو مرآة النفوس البشرية التى تلقى بظلالها على حائط التاريخ ، سلمت يداك يا باشمهندس على ابداع هذه الصورة القلمية الإنسانية المفعمة بالأسى والمطرزة بجدائل الجمال الحزين الشفيف .

mohammed adel يقول...

لقد اعتدنا البقع فى " ذات المرآة " وطالت البقع ذات وجوهنا .