نهض مبكراً قبل موعد العمل بساعتين فهو لا يريد أن يتأخر فى أول يوم عمل له فى الوظيفة الجديدة – بعد أن توسط له نصف سكان الكرة الأرضية - ليعمل بمكتب الشهر العقارى ، ارتدى ملابسه الجديدة حتى القميص الأبيض لم يقم بكيه فتظهر به كسرات أثر طيه على أرفف محل صديقه الذى اشتراه منه بالتقسيط ، أخذ يعد الخطى حتى يجلس على مكتبه ويبدأ يومه الأول فى التعامل مع الناس ليقدم لهم نموذجاً نشطاً فى الثلاثين من عمره سيغير بأداءه مفهوم الموظف الحكومى عند رؤساءه وعند المواطنين وعند الجهاز الحكومى كله فى يوم واحد ... أو هكذا ظن!
وصل إلى مقر عمله فى الدور الثانى أخيراً بعد أن أوشك على الوقوع على درجة السلم الأخيرة المتآكلة فكاد ينكفئ على وجهه قبل أن يغط زميله فى العمل بالضحك فحمد الله أنه الوحيد الذى وصل إلى العمل وإلا لسخر منه الجميع ، أخذ يتحسس طريقه بعد السلام والمزاح ونظرات السخرية من زميله القديم الذى أخذ يتفحصه من أخمص قدميه وحتى آخر شعيرة فى رأسه ، حاول تملق زميله آملاً أن يدله على جديد أو ينصحه بكلمة فى خجل فما كان منه إلا أن أشار له " اجلس هنا " مشيراً على كرسى تكاد أرجله أن تنهار أثراً من نخر السوس فيها ، فخطى إلى كرسيه هامساً لنفسه لا تقع .. لا تقع ...
ازدحم المكان سريعاً وهو بلا عمل سوى نظرات التفحص من زملائه فى العمل - دعى ربه أن يرزقه بمواطن يضل طريقه إلى كرسيه يسأله على شئ ما علّه يظهر حماسته ويكلفه أحد ما بعمل ، راح فى عالمه الخاص يتأمل المكان الرث من حوله وزملاؤه التى خارت قواهم بحمل كروشهم الممتدة أمامهم وعبوسهم الذى ربما يتصنعونه فى وجه كل مواطن يقدم طلباً ما ... فجأة أخذه من شروده ذلك النقر على الباب فكان رجلاً بسيطاً يحاول الاستئذان قبل الدخول فنظر له متبسماً " اتفضل يا حاج " وحمد الله على استجابته لدعائه ، وتقدم الرجل أمامه يسأله على أداء خدمة توثيق فانتفض آخذاً منه الورقة وأخذ يدور بها على زملائه حتى أنهى كل المطلوب فيما يقارب الساعة بعد مناقشات زملاؤه ومحاولتهم للتعقيد عليه وأخيراً رجع للرجل وقال له " ما بقى إلا أن تقوم بدمغها بخاتم شعار الجمهورية من المدير هناك " فشكره الرجل وعاد إلى كرسيه المتآكل يتأمل الرجل ويترقب خروج الورقة النهائى متحمساً لإنجازه ،،
ما أن خطى الرجل أول خطوة داخل مكتب المدير إلا وانكفأ على وجهه وأوشك على السقوط بسبب البلاط المفتت الأسمنتى لولا أن وضع يده على مكتب المدير فوصل محنياً ظهره إلى المدير وكأنه فى حالة من الذل ترافقها ابتسامة متكررة من المدير الذى اتخذ وضعية المستريح الراكن ظهره إلى كرسى معدنى تعلوه طبقة من الجلد المتآكل وأمامه على مكتبه الخشبى – الباهت لونه والملوث ببقع من الحبر – على المكتب قلم جاف ذو لون أحمر وبضعة أختام غارقة فى الحبر الأزرق وعلى يمينه جهاز راديو ذو بكرة فضية كبيرة ولون يشبه اللون الأخضر ، اعتدل المدير فى حزم وهو يتأمل ورقته غاضباً " مين اللى عملك الورقة دى يا حاج " وقع قلب صاحبنا فى قدميه بعد أن رمقه المدير بنظرة غضب وقال مخاطباً الرجل المسن وهو يكتب على قصاصة مصفرة من الورق " انت تروح تكمل أوراقك دى الأول وتجيلنا تاخد طلبك "وعاد المدير لكلماته المتقاطعة وخرج الرجل وهو حذراً من الوقوع هذه المرة ولم ينظر إلى الموظف الجديد ....
غاب الرجل جداً فى استكمال أوراقه ، وعاد هذه المرة ليجد الموظف الجديد يتثاءب وقد سَمُن ويبدو على وجهه العبوس وعلى ملابسة الرتابة وعلى مكتبه المتآكل بضعة أختام وجريدة مفتوحة على الكلمات المتقاطعة ولوحة كُتب عليها نائب المدير .. أشاح بوجهه عن الرجل فقال له أوراقك ناقصة وانتهى وقت العمل وموظف الخزنة غير موجود والأختام ناقصة ... أكمل أوراقك وعد إلينا....
أبطال القصة :
شاب .. كرسي متأكل ... ورقة .. انحناءة ظهر .. راديو .. أختام .. تآكل ..

1 Comments