أين أبى يا أمى؟! ... سألتها ابنتها ذات السنوات الخمس..
ما كانت فى حاجةٍ لأكثر من تلك الحروف لتمنح نفسها سبباً جديداً للانغماس فى البكاء ، فكانت من كثرة ما أرادت أن تحافظ على رباطة جأشها تبكى دون صوت ... دون دمع تتلقفه عيون الناس تبكى ، ويدمى قلبها ... وتُربى الأمل فى صدرها شيئاً فشيئاً ... يقطع عليها طريق أحلامها ... صورة لزواجهما على رف خشبى فى بيتهم البسيط ... يا الله – تحادث نفسها – لِمَ يَجتمع عليّ كل شيء ... رائحته لا تفارق الغرفة الرطبة .. ملابسه المعلقة أمامها ... كلماته التى كان يرددها ... تناست الدنيا وتحاول بخيالها رسم كل همسة كانت بينهما فى يوم ، ترسم طيفاً علّه يتجسد روحاً وجسداً تلمسه بيدها لمسة الوداع ... لا تطمع فى الكثير ... فقط تريد ضمه لصدرها .. إحساساً واهياً بالأمان كان أقصى طموحها اللحظي ؛ تحاول ابنتها الصغيرة الاستحواذ على اهتمام أمها بجذبها من طرف ثوبها ... حينها تذكرت لحظة أخرى أكثر جرحاً من الفرق .. كان الحكم قاسياً عليها أكثر منه نفسه .. فهى حين سمعت القاضى ناطقاً بالحكم النهائى سقطت مغشياً عليها ولا تتذكر سوى ابتسامته وزهوه لحظة نطق الحكم رافعاً يده اليمنى بعلامة النصر ... أين أبى يا أمى! ... تكرر الصغيرة سؤالها .

0 Comments