بحث هذه المدونة

الأربعاء، 12 أغسطس 2015

إليك أنت وأبى


الرسالة ..


يقول لى جَدّى أن أبى كان بطلاً ... لم يخش الموت .. آََثر أن يموت فداء وطنه ورأيه .. وقال أن من قتَله ليس وطنه ، وإنما بنو وطنه الذين ظنوا أنهم يؤدون خدمةً لهذا الوطن .. خدمة بقتل أبى !! أظن أن جدى مشتتٌ كثيراً ويَهذى بحكم كِبَر سِنه، وبحكم فقد ابنه الأكبر - أبى - الذى كان له بالغ الأثر عليه. 


جَدّى كان يختلف كثيراً مع أبى فى رأيه كما يقول .. لكنه لم يكن ليتمنى موته كنتيجة لذلك الاختلاف 

يقول جَدى فى أبى ما تقوله أمى وأصدقاؤه الذين يقابلونى مصادفة فى الشارع ويتذكرون ويقصون لى ذكرياتهم مع أبى والتى صرت أحفظها عن ظهر قلب من كثرة تكرارها .... ولكن والد صديقى " عمرو " لا يرى فى أبى ما يراه آخرون حولى .. ويحاول إبعاد ابنه عنى .. لأنه يرى فى أبى - القتيل - خائناً وعميلاً لأعداء الوطن ..

يقول جَدى وأمى وأصدقاء أبى ما يكذّبه والد صديقى الوحيد ... ويقولون ما وجدت عكسه من كتاب الصف الرابع للدراسات الاجتماعية بأن المكان الذى فيه قُتل أبى وتم حرق جثته ، كان تجمعاً لأعداء الوطن .. 

ليتنى لامستك يوماً أبى .. ولكن قَدَرى أن أكون فى رحم أمى وقت أن قتلت أنت .. ليتك مت بعد عامين من موتك .. لاستطعت وقتها أن أسمع منك الحقيقة وحدك، ولاستطعت أن أعرفك منك ولكان لى أن أقول لك .. أحبك أبى . 
...

اليوم أقف على قبرك وأفكر ... من جعلنى يتيماً !! أنت أم رأيك!! أم من لم يسعه العيش فى وجودك ! 

نسيت أن أقول لك أنهم غيروا اسم الميدان الذى قتلت فيه .. لكنهم يا أبى لم يغيروا تاريخ وفاتك حتى يتسنى لى أن أراك .. أقصد أن أراك رؤى العين لا على لافتات متظاهرين يرددون : " سامع أم شهيد بتنادى " .. ولا يعلمون يا أبى أنى أنا أكثر من ينادى .. لكن ما من مُجيب ، ربما لأن الصوت لا يبارح صدرى 


أنا صغير يا أبى .. واحبك ولا أعلم لِمَ .. ولا أهتم لرأيك ولا لرأى الناس .. أنا لا أهتم حتى بهذا الوطن الذى يحدثنى عنه جَدى .. أنا فقط أهتم بضمة لصدرك .. شغف يتملكنى فى كيف سيكون كفّى معلقاً للأعلى غارقاً فى كفك الكبير وأنا أسير معك نحو السوق أو على شاطئ البحر أنعم برفقتك .. وأظن أن أمى أيضاً تفتقدك كذلك .. لطالما حدثتنى عن ضحكة عينيك. 
هذه أول مرة يُسمَح لى أن أزور قبرك .. ظنّوا أن ذلك سيفطر قلبى ولم يدركوا أن قلبى انفطر وأنا جنين فى بطن أمى على فراقك .. أريد أن أحكى لك على مدرستى وعلى زميلى الذى يضربنى ثم يأت أبيه للمدرسة يطلب من المُدرسة تعنيفى وأنت لست موجوداً لتساندنى ... أريدك أن تفخر بى لأنى ألعب كرة القدم بمهارة .. ولأنى أحصّل الدرجات النهائية فى المدرسة .. ذلك يُسعد أمى وأظنه كان ليجعلك تبتسم فتضحك عينيك فاستمتع بها وابتسم كما تفعل أمى حين تحكى عنك .. 


بالأمس عدت من الشارع بعد اللعب وقلت لأمى أنى أكره والد صديقى ولا أريد أن أراه مرة أخرى .. نهرتنى أمى وقالت لى أن أبوك ما كان ليكره أحد يوماً وأنك ستغضب يا ابى لو علمت أنى أكرَه أنا أصلاً لم أعرف وجه الكُرْه يا أبى إلا من أجلك .. يا أبى وقد أتيت اليوم أعتذر لأنى أكره ولأننى تعلمت الكَراهية بسبب فراقك، وأعلم انك تريدنى - كما تقول أمى - أن أحب فقط .. يا أبى سامحنى فأنا أحبك وأكره قاتلك . 

من مذكرات طفل مصرى .. أنا آسفٌ يا صغيرى .



Comments
0 Comments

ليست هناك تعليقات: