بحث هذه المدونة

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2015

40

فكرت كثيراً ألا أُفشى أحد أسرارى ولكن نفسى تتوق لكشف نفسى .. 

حرب المقاومة التى تنمو بداخلى تجعلنى أكثر تعاسة .. يوماً ما ظننت أننى أقوى من الهزيمة وأكبر من أن تأسرنى علامات الزمن ، ولكن الأسر ينتظرك تماماً عند الأربعين.
يكتب كثيرون خوفاً من سن الأربعين .. ويكتب آخرون طمعاً فى أن يكون سن رشدهم وبداية طريقهم للسعادة ، أخشى الآن أننى أتردد فى وصف الحقيقة بصدرى ويأخذنى جُبن غريب كى لا أواصل الكتابة ..

الأربعون رقم مخيف فى أرقام السنين التى تحتفل بمرورها ًعلى بقائك حياً ، تشعر وكأن حياتك تخطت قمتها وأنك فى انحدار مستقيم وبزاويةٍ حادة، ووحدك من بين الناس تعتنى بك جاذبية الأرض.


أنت وحدك تماماً فى هذه الحياة وفى طريقك للفناء .. أنت فى الأربعين من عمرك .


لم أكن أتصور أن الاحتضار يبدأ مبكراً هكذا، وأننى قاربت الموت إلى هذه الدرجة وأننى قد أُحرَم من عناق من أحب .. أنا اخاف لحظات الفراق ولم أجرب - كحالك تماماً - كيف ستفارق روحك أرواحاً أخرى تعيش لها .. بها .

قرأت للعديد ممن أحب نظم حروفهم فى وصف سن الأربعين .. أكثرهم كان يتمنى ليفعل أشياء كثرة .. ورأيت وعرفت كثيرون ما أن يصلوا لهذا العمر حتى ينطلقوا فى حياتهم ، ربما محاولة منهم لتعويض ما فاتهم هناك على القمة وهم فى طريقهم للسقوط ... لا رغبة لدى لأخطىء فاستمتع اكثر ولا وقت لأصحح ما فات من خطاً ، أنا أندم كثيراً ولم يعد يحوطنى الأمل ولا الشغف من جديد ..

مرات عديدة وحين أخلو إلى نفسى تحدثنى أنه فاتنى الكثير وسيفوتتنى الأكثر ، أنا لا أقدر على الوقوف والعودة للتعويض ولا أملك الوقت حتى فى هبوطى المستمر لأصحح المسار صعوداً مرةً أخرى .

هَنا .. أصغر أبنائى وجزء أفخر به من روحى .. تدفىء القلب بحنان عينيها .. أنا أرى معنى الحب فى تلك النظرة ..
أحمد الكبير وأكثر من يشبهنى الذى حُرمت منه لحظة ولادته وحتى وصل نصف عامه الثانى بسبب السفر والسعى فى الرزق وأغلال الكفيل فى العُنق .. غايته الأولى فى حياته ان أفخر به وكلما فعلت اجتهد وزاد طمعاً فى فخر أكبر .. 
سيف الدين الأوسط المُعلّق بين عينى وعينى .. الأوسط بين أحمد وهَنا .. الأوسط بين الشجاعة والخوف .. بين القلب والضلوع ، بين امه وبينى .. بين حياتى ولحظة السقوط من فوق قمة الأربعين .
أحب عناقهم ونظرة العشق فى أعينهم ... وأخشى عامى الأربعون .

دعوت الله ذات مرة " دعاء " أن يرزقنى شريكة لحياتى تحبنى وأحبها ونحب عنادنا لبعضنا البعض، وكأن هذه كانت أول دعواتى المستجابة فى لحظتها ، حين أحدثها عن عقدى الرابع المنتهى منذ أيام لا تعرف ما تقول سوى أن تتظاهر بانها لم تسمع شيئاً .. أظننى أرى جيداً الخوف يسير لامعاً فى بياض عينيها فتوارى وجهها تخفيه وتخفى معه دمعاً يذبحنى ... ماذا إن فقدت التفافة الذراعين حول عنقى !


الأربعون .. مهما كان ما حققته فى حياتك فأنت أنت، لم تنجز شيئاً يستحق طيلة حياتك ولأربعين عاماً متصلة .. ربما يكون انجازك الوحيد معنوياً لم تداوم عليه .. انت لا شىء وستنتهى دون أثر لك بين مليارات ممن عمروا هذه الأرض .. ربما يبقى اسمك عالقاً على الأرض بعض الشىء .. ولكنه يظل مجرد اسم .. ولبعض الوقت.

السر الأكبر يتكشّف الآن .. فأنا أخشى الموت لا غيره .. الأربعون أول سكرات الموت - عافانا الله.

يسمون الأربعون وما بعدها عند الرجال " جهلة الأربعون " أو " المراهقة المتأخرة " وأراها منذ بدايتها الآن تكشف جهل ما قبل الأربعين وغرساً لبذرة جديدة فى الحياة لم يهزمها الخوف ليحظى بأكثر من عِناق لمن يحب .









الاثنين، 12 أكتوبر 2015

رقصة الموت


تلوّن بلون الفرح .. ولم لا .. فالمكان المزدحم لونه لون الفرَح .. وسمته البهجة الصاخبة التى تزين أركان الطريق ..
تطلع فى وجوه الحاضرين فما وجد غير الابتسامة اللامعة ... بهجة -غريبة عليه- تعم المكان ...
قرر ألا يغادر دائرة السعادة تلك ... على بعد خطوات غير بعيدة اكتشف أن الجميع يرتدى اللون الأحمر .. ذاك الطفل المبتسم المرح الذى كثيراً ما تَعْلق قدماه بين الأرض والسماء إثر قفزات متتاليات تنشر الصخب الجميل فى أرجاء المكان ... تلك السيدة العجوز أيضاً لم يمنعها تقدمها فى العمر من ارتداء الأحمر ... فتاةٌ على جانب الطريق تزينت بالأحمر وجنتاها، فضلاً عن قبعة فرنسية تزين رأسها ... حتى ذلك الحانوت الوحيد المفتوحة أبوابه، أبى إلا أن يتزين بالأحمر الصاخب صخوب الطفل ... قطعة من القماش على شكل مثلث تتخللها ثقوب صغيرة تزين فاترينة العرض .. توقف برهة أمام تلك القطعة القماشية التى خطفت قلبه وخاطبت غرائزه كلها .. تقدم بضع خطوات ينتوى شراؤها قبل أن تعلق إحدى قدماه فوق الأرض بقليل ... 

فجأة توقف كل شىء ... 

حتى الهمس الجميل بين المحبين .. نظرات العاشقين ..
تجمدت كل الوجوه مبتسمة ً ... تجمدت الأعين الحالمة ..
حتى قدما الطفل المتراقصة تجمدت فى الهواء ...
هو الوحيد الذى تتحرك عيناه ترصد جل المشهد يمنةً ويسارا ...
ليجد متحركاً جديداً .. كان يغطى كل شىء طوال الوقت ولم يره ..
قطرات الدم .. 
هى وحدها كانت تعلوا كل شئ ... الأعين وملابس المارة ونوافذ الأحلام المعلّقة فى الهواء.
انها رقصة الموت